جاري تحميل ... لَوْذَعِيّ كلوب

إعلان الرئيسية

آخر المقالات

الفلسفة

المعتزلة... وسؤال نشأة الفلسفة الإسلامية

 


           ان الحديث عن الفلسفة الإسلامية هو حديث متشعب ويفرض علينا استحضار مجموعة من المحددات التي ساهمت في نشوء هذه الفلسفة، او في بزوغ فكر عربي اسلامي فلسفي ينطلق من مسلمات عقائدية ودينية قصد تحليلها وربطها بطرق عقلية فلسفية . ولعل السياق الذي افرز لنا هذا الفكر هو سياق ما بعد النبي وما حدث في تلك الفترة من تحولات وتغيرات اصابت الامة الإسلامية وتفرقت الى فرق واحزاب وشيع بسبب مشكلة الإمامة ومن له الاحقية في خلافة النبي. فانقسم المسلمون حينها ، وخاصة بعد مقتل عثمان بن عفان وتولية علي بن ابي طالب مكانه ، حيث سيشتد النزاع في البداية  بين علي من جهة ومعاوية ابن ابي سفيان الذي رفض مبايعته من جهة اخرى،  فاندلعت حرب بينهما سميت بحرب "الصفين" و التي سيتفرق  فيها المسلمون الى خوارج ومرجئة وشيعة، بسبب اعلان معاوية للتحكيم الى القران الكريم وقبول علي بذلك .اذ اعتبروا الخوارج الذين خرجوا عن علي ان هذا الاخير هو كافر ويحق القتال فيه  لأنه قبل مسألة التحكيم ، وهنا نَبَعتْ قضية عقائدية ايمانية وهي تكفير المسلم لآخاه المسلم ،وبدأ التساؤل حول حقيقة التكفير وحقيقة الايمان. وهنا نلاحظ ان مشكلة الإمامة ادت الى ظهور فرق ذات طابع سياسي وامتدت الى اثارة قضايا عقائدية ذات طابع ديني اصولي، والتي سيخوض غمار البحث فيها عدة متكلمين و سيبرز من خلالها علم الكلام بقيادة فرق عديدة من بينها المعتزلة التي خلدت لنا فكرا فلسفيا احتضن معالجة قضايا العقيدة من ايمان وكفر ومرتكب الكبيرة ....الخ  بمنطق عقلي و حجج وبراهين استدلالية. الامر الذي يجعلنا نتناول هذه الفرقة بالدراسة والتحليل قصد ابراز اهم سمات التفلسف فيها وتبيان مدى ارساء المعتزلة للفكر الفلسفي العربي الإسلامي.  بناء عليه نتساءل : ما المعتزلة وكيف ظهرت؟ وما الأصول الخمسة التي تبنوها ؟ وما دور العقل في رسم منهج فلسفتهم؟

               يقصد بالمعتزلة جماعة من المفكرين المسلمين التي نشأت في بداية القرن الثاني الهجري في مدينه البصرة، هده الاخيرة التي كانت في ذلك الوقت، الحاضرة الثقافية لدولة الإسلامية الآخذة في الاتساع والانتشار. وقد تعددت أسباب تسمية هذه الفرقة بالمعتزلة حيث قال البعض بانهم سميو بهذا الاسم لانهم انفردوا عن اجماع الامة في بعض الآراء،  اي خالفوا بها كل الفرق الإسلامية فسموا بالتالي بالمعتزلة. و ايضا هناك اراء اخرى ذهبت الى ان الاسم اتى على اثري مبايعة الحسن بن علي بن ابي طالب  لمعاوية، فاعتزل جماعة من الناس كانوا غير راضيين عن الامر أي اعتزلوا الحسن ومعاوية مع بعض ،وايضا اعتزلوا جميع الناس وقالوا سنشتغل بالعلم وبالعبادة فسميو منذ ذلك اليوم بالمعتزلة.  ولعل الراي الاقرب من الصحة وفيه اجماع واتفاق كبير؛ هو الراي القائل بان اسم المعتزلة ظهر في الوجود على اثري حادثة حصلت بين الحسن البصري وواصل بن العطاء  الذي يعتبر هو الابن الحقيقي والمؤسس الاول للمدرسة الاعتزالية. حيث كان هناك امام وعالم جليل كبير بجامعة البصرة،  وهو الحسن البصري الدي كانت مجالسه مشهوده بالحضور نوعا وكما،  فقد كان يتقاطرون اليها الطلاب من مختلف ارجاء الدولة الإسلامية، و من ضمن هؤلاء الوافدين طالب اسمه واصل بن عطاء والذي كان قادما من المدينة المنورة.    كان شخصية متميزة كما تذكر المصادر، وكان ذكي جدا ويملك قدرة عجيبة على  الحفظ و جرأة كبيرة في طرح آرائه . وفي احد مجالس البصري وقع  بينهم  جدال  حول مسالة كانت هي اصلا موضوع   خلاف في الاوساط العلمية والفقهية آنذاك. حيث سأل احدهم الحسن البصري عن مرتكب الكبيرة، أي ان كان مرتكبها مؤمن ام كافر . فأجابه البصري ان مرتكب الكبيرة مؤمنا  لكن عاصي. و هنا اعترض واصل قائلا بان مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن وليس بعاص،  بل هو في منزلة بين المنزلتين ، يعني هو في وسط ما بين الايمان والكفر، وبعد ان قال هذا الامر حصل جدال ونقاش بين الحسن البصري،  فما كان من واصل وبعض اصحابه ان خرجوا من المجلس واتخذوا منذ ذلك الوقت زاوية اخرى في المسجد كملتقى ومجلس لهم.  وحين سُئِلَ البصري عن الامر قال لقد اعتزلنا واصل، فمن هذا القول استخرج اسم المعتزلة واصبح يطلق على واصل واصحابه لغاية اليوم.

ولعل الانطباع الدي يتكون لدينا من كل هده الآراء المختلفة، ان اسم المعتزلة صرَح به خصومهم ،  حيث   توخوا من خلال هذا الاسم الذي يحمل بين طياته طابع الإدانة  و الاستياء ،   و توجيه الإهانة بشكل او باخر على حد قول د. عواد بن عبد الله المعتق في كتابه " المعتزلة وأصولهم الخمسة"،  فالمعتزل كما يفهم من الكلمة هو المعاكس المنفصل. و العجيب في الموضوع ان المعتزلة انفسهم لم يكن لديهم عقدة  مع هذه التسمية ، وان كانوا رسميا اختاروا لأنفسهم لقب اهل التوحيد والعدل ، حيث كانوا يرون الاسم لا يدينهم ولا ينقص منهم اي شيء، بل كانوا يرون فيه نوعا من الاطراء والتمجيد لانهم برايهم هم فعلا اعتزلوا الافكار والعقائد الخاطئة واجماع الناس على الخطأ. 

من ناحية اخرى فالمعتزلة بلغت الى هَامَة اشعاعها في عصر الدولة العباسية ، وطبعا هناك ظروف ومعطيات واسباب ادت الى ظهور المعتزلة وغيرها من باقي الفرق الإسلامية ، وممكن ان نختزل هذه العوامل في ثلاثة اسباب رئيسية؛  اولا الاحداث والصراعات السياسية والعقائدية والفقهية التي تعرضت لها الامه الإسلامية في تلك العصور، اي ابتداء من موت النبي والانقسام الذي حدث بعده ، الى اغتيال الخليفة عثمان بن عفان والتشتت الكبير الذي اصاب جسد الامة اثر خلفية اغتياله، وصولا الى حرب الجمل وبعدها افتراق الامة الى عدة فرق بعد معركة دامية بين علي ومعاوية، الى حرب النهروان بين علي والخوارج ومن ثم استلام الامويين الحكم وقتل الحسين في كربلاء الى غير ذلك من كل هذه الاحداث والصراعات التي حدثت في الدولة الإسلامية. كل هذه الاحداث دفعت  بالمسلمين، مفكرين وعلماء واصحاب راي الى الوقوف والتساؤل حول اسس ومنطلقات هذه الصراعات ، ان كان على الصعيد الديني او السياسي او الاجتماعي، من اجل ايجاد تفسير لها او اجوبة عليها.  كطرحهم مثلا أسئلة من قبيل ؛ لماذا يقتل المسلم اخاه المسلم ؟ ما هو الوجه الشرعي في الامر؟ هل منصب الإمامة هو تكليف الهي لا يمكن الاعتراض عليه ام انه يخضع الى راي الامة وبالتالي يكون الخليفة مسؤولا امام الامة ؟  وما حكم من خرج على الخليفة ؟ وقس على ذلك من التساؤلات الكبرى .  فبذأت الآراء تخرج، وتتحزب كل مجموعة لتفسير معين وبالتالي بدأت تظهر العديد من الفرق ومن ضمنهم المعتزلة.  ايضا من العوامل التي ساهمت في تبلور الفكر المعتزلي هو ذلك التوسع الذي بلغته الدولة الإسلامية، ودخول العديد من الاعراق والثقافات والحضارات الى داخلها وبالتالي اختلاطها واندماجها  بالمجتمع الإسلامي ، مع احتفاظ كل هده المكونات الجديدة ببعض من تراثها وبشيء من ثقافتها ، مما اوجب الرد عليهم وتبيان ما هو موافق مع الإسلام وما هو مخالف له ، وبالتالي ظهرت هده الفرق التي حاولت ان تفعل هدا الامر . بالإضافة الى دلك ،  هناك سبب ثالث تمثل في تحديد الموقف من الجماعات الغير المسلمة التي اصبحت في داخلي المجتمع الاسلامي بفعل التوسع.  فاذا كانت شرائح كبيرة من الشعوب الجديدة دخلت في الاسلام ، الا ان هناك شرائح اخرى ضلت على دينها، وبالتالي فهي متواجدة بالدولة الإسلامية  ومحتفظة بأفكارها وبعقائدها وبكل هذه الأمور.  وينقل لنا د. محمد علي أبو ريان في كتابه تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام احداث للتدليل  على وجوه من صراع  نشب بين طليعة المعتزلة وبين معتنقي العقيدة الثانوية (الزرادشتية ) التي كانت منتشرة في بلادي فارس القديمة، حيث ينقل ان واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد  مؤسسين المذهب الاعتزالي كانا يحضران دائما في احد المجالس،  يدافع عنها الحاضرون عن العقائد الثانوية، وكان واصل وعمرو يتصدران لهم ويناقشوهم ويجادلوهم لإثبات وهم وضعف هذه العقيدة . وبالتالي فهذه الاسباب الثلاث كانت هي العوامل الرئيسية التي ادت الى نشوء المعتزلة وساعدت على تبلور وتحديد الفكر الاعتزالي.

  وتجدر الإشارة الى انه ليس كل المعتزلة هم مذهب واحد بل انقسموا الى عدة فرق،  فما يجمع كل الفرق الاعتزالية هو التوحد بالقول على المبادئ الخمسة التي لا يكون الانسان معتزل اذا لم يعتقد ويسلم بها كليا ، اي انه الكل كان مقتنع ومتفق على هذه المبادئ الخمسة . ولكن اختلفوا في بعض الجزئيات والتفاصيل باعتبارهم اعتمدوا على العقل واحتكموا له في تفسير الأمور، و بالتالي من الطبيعي ان يكون هناك اختلاف وتفاوت . وقد نشأ عن هذا الامر عدة مذاهب و فرق اعتزالية يقدر عددها بحولي ما بين سبعة عشرة فرقة الى عشرين فرقة.  ومنها على سبيل المثال لا الحصر الفرقة الواصلية  نسبة الى المؤسس واصل ابن عطاء ، ايضا هناك الفرقة العمرية نسبة الى عمر بن عبيد، و الفرقة الجاحظية وهم اتباع العَلَمْ الكبير الجاحظ... الى غير ذلك من الفرق الاعتزالية.    وعلى اختلاف هذه الفرق وفروعهم فقد عرفوا  ببعض المزايا وبعض الخصال ، حيث كانوا مشهورين بالقدرة الخطابية الكبيرة وبالتحليل العقلي المذهل ، لذلك كانوا اهل جدال ومناقشة ومن الصعب ان ينتصر عليهم احد على حد تعبير د. عواد بن عبدالله المعتق

واذا انتقلنا الى الجانب الفكري فالمعتزلة كمشروع معرفي بصورته العامة  قد اعطوا  للعقل موقع لم يسبقهم بالقول به احد من قبل،  لذلك هم قدموا العقل على النقل في فهم العقيدة ومسائل الدين ، أي انهم جعلوا العقل هو الحاكم على الشرع ومن يعطي للشرع مشروعيته وليس العكس.  فالعقل قادر لوحده على معرفة الله ولديه القدرة على تمييز الصواب من الخطأ ومعرفة الحلال من الحرام من خلال عمليتي التحسين والتقبيح ،  وهذه العملية هي قاعده اساسية في المنهج الاعتزالي . فالعقل برأيهم ان حكم على شيء بانه جيد وحسن فهو كذلك، حتى لو كان الشرع اعتبر هذا الامر قبيحا، اي الى هذه الدرجة كانوا يسلمون لأحكام العقل.  اضف الى دلك ان المعتزلة استعملوا العقل بوصفه اداة نقدية فأخضعوا له كل النصوص الدينية من آيات  و احاديث ومسلمات ...الخ ، و قاموا بتمحيصها ، حيث انه ما يوافق العقل سيقبلونه وسيأخذون به وما يعارض العقل سيلجئون بالتالي فيه الى التأويل خاصة فيما يخص آيات القران.

 واذا اردنا ان نتشعب اكثر في الفكر المعتزلي فانه يصعب علينا الحديث عن مذهب اعتزالي واحد اذا اخذنا بعيني الاعتبار عن ان هذا المذهب كان كبير بالمفكرين وبتعدد الآراء داخله .  ومع ذلك فهناك مبادئ خمسة يقول بها كل معتزلي ، بل لا يمكن ان يكون احد معتزلا وهو لا يعتقد او يسلم بهذه المبادئ الخمسة كلها . ويشير محمد علي أبو ريان في تفصيله حول الأصول الخمسة للمعتزلة ان اثنان من هذه المبادئ الخمس يتعلقان بالله ، والثالث بالنظرية الأخلاقية  حول الانسان في الدنيا ومصيره ، ورابع مبدأ يتعلق بمصير الانسان بعد الموت،  والخامس له ارتباط بحياة الجماعة او الامة.  هذه المبادئ الخمسة للمعتزلة هي التوحيد والعدل، المنزلة بين المنزلتين ، الوعد والوعيد،  والامر بالمعروف والنهي عن المنكر .

الأصل الأول هو التوحيد وهو المبدأ الاساسي في الإسلام،  فاعتقاد المعتزلة في التوحيد هو ان الله واحد ليس كمثله شيء، وصفاته هي عين ذاته . ولعل الاختلاف والنزاع الذي كان بين المعتزلة وبقية الناس هو في الشق الثاني من التوحيد والذي يتعلق بالصفات ،  فالمعتزلة في سعيهم لتنزيه الله اعتبروا ان الذات الإلهية وصفاتها هي شيء واحد وليست هذه الصفات خارج عن الذات ؛ مثلا عندما يقال الله قادر ، المسلمون يقولون ان القدرة هي صفه لله ، لكن المعتزلة اجابوا بان اضافة صفة للموصوف هو امر يمس بجوهر التوحيد لأنه سنصبح امام شيئين وليس امام شيء واحد،  امام الله زائد صفة القدرة. وبالتالي فهذا يعني انه هناك تعدد في الذات الإلهية حسب قولهم وهو امر لا يتماشى مع فكرة التوحيد.  لذلك قال المعتزلة بان الذات والصفة هما امر واحد.

 اما المبدأ او الاصل الثاني هو العدل وهنا يتعرض المعتزلة للمسؤولية وحرية الاختيار عند الانسان.  لأنهم يرون ان العدل الالهي يوجب القول بحرية الانسان ومسؤوليته عن افعاله ، والا فمسألة التواب والعقاب في الاخرة ستصبح بلا معنى اذا كان الانسان ليس حرا . فالله العادل مثلا لا يمكن ان يخلق الانسان ويجبره على فعل الشر وعلى ارتكاب المعصية ومن تم يحاسبه عليها، فهذا امر كما يرونه عبثي وغير منطقي بالمرة. لذلك رأى المعتزلة ان الانسان يملك الحرية الكاملة في افعاله،  وان الله لا يجبره على شيء ، فيقدم هذا الانسان على فعل الخير او على فعل الشر ، على الطاعة او على المعصية ، على الايمان او على الكفر بكامل ارادته ، وبهذا يكون فعلا مسؤولا عن كل افعاله ، وعدل الله التام هنا هو ان يحاسبه عن هده الافعال بناءً على ما منحه من حرية وارادة واختيار .

بالنسبة للمبدئ الثالث هو المنزلة بين المنزلتين ، وهو مبدأ كما ذكرنا سالفا كان هو سبب الشقاق الاول في الحادثة التي حصلت ما بين واصل ابن عطاء والحسن البصري ، وقد وقع الخلاف بينهم حول حكم الفاسق من المسلمين او مرتكب الكبيرة، هل هو مؤمن ام هو كافر. فالمعتزلة يقولون بان مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن وليس بكافر بل هو في منزلة بين المنزلتين ؛ بمعنى ان المعتزلة لا تُكَفِرْ مرتكب الكبيرة،  وبالتالي لا تستحل ذمه وماله كما كان يفعل بعض المتشددين ، بل تقول ان هذا الانسان وان كان فاسقا فانه ما زال مسلما وبالتالي له حقوق كما يقرها الشرع ، كالميراث، الزواج، وأن يدفن في مقابر المسلمين...، لكن رغم تمتعه بهذه الحقوق الا انه لا يجوز ان نقول عنه مؤمن ولا حتى كافر،  هو كما اشرنا في منزلة  بين الامرين، طالما هو على قيد الحياة.

وإذا انتقلنا الى المبدأ الرابع وهو الوعد والوعيد فانه امر مرتبط بالمبدأ الثالث وبمسالة العدل أيضا.  فالمعتزلة قالوا بان الله لا يجوز عليه الكذب، لان الكذب امر قبيح والله لا يفعل القبيح، لذلك فهم يقولون بان وعد الله ووعيده لا تبديل لهما، اي انهم يقصدون بان الله سيوفي بوعده للمؤمنين يوم القيامة ويدخلهم الجنة خالدين فيها ابدا، وايضا سيوفي بوعيده للمعاندين والكفار يوم القيامة وسيعاقبهم بالخلود في عذاب جهنم الى الابد.  وبالتالي فبراي المعتزلة لا يوجد هنا اي استثناءات او وساطات او شفاعات كما يقول بعض المسلمين مثلا بان الرسول سيشفع لبعض امته او كما يقول الشيعة بان أئمة اهل البيت سيشفعون لشيعتهم  . فالمعتزلة قالوا لا وجود لشفاعات ولا لاي شيء على الاطلاق ، فكل من مات على الكفر هو مخلد في جهنم ، وكل مسلم فاسق مات على الكبيرة او المعصية ولم يتراجع عنها قبل موته هو ايضا مخلد في جهنم ولن يخرج منها ابدا.  وهنا نلاحظ اختلاف كبير بين المعتزلة و عن بقية الفرق الاسلامية الذين قالوا بان المسلم لا يخلد في جهنم حتى لو ارتكب الكبيرة بل يعذب لفترة من الوقت على فعلته ومن تم يخرج من النا ر ويدخله الله الى الجنة .

اما خامس الاصول فهو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر .هذا المبدأ الاخير او الاصل الاخير من اصول الدين عند المعتزلة له ارتباط بالحياة الاجتماعية او بحياة الجماعة.  فهو مبدا يهدف من ورائه الى التطبيق العملي لمبادئ العدالة والحرية في السلوك الاجتماعي  ،  وبناء عليه يرى المعتزلة انه من الواجب التدخل لمنع المنكر و الدعوة بالمقابل الى عمل المعروف والى صلاح الناس. وهذا التدخل برايهم لا يستثني احدا على الاطلاق بل هو شامل للجميع ؛ رؤساء   ومرؤوسين، ملوك وخدم ، عَالمٌ او عامي ... اي كل الناس. و بطبيعة الحال هنا دار جدل كبير حول طبيعة هذا التدخل عند المعتزلة. اي كيف ندعو الى المعروف وكيف ننهى عن المنكر. هل يتم بالوسائل السلمية ام بالوسائل العنيفة؟  هل بالنصح والموعظة ام باليد والقوة والسلاح ؟ . وفي الواقع يذهب الكثيرين الى ان ما ذعت اليه المعتزلة هو الامر والنهي باستخدام النصح والكلام والموعظة  ، اما استعمال القوة فهو جائز برايهم في بعض الحالات وبشروط كثيرة جدا ؛ فمثلا المعتزلة يرون ان الخروج عن الحاكم الظالم هو امر واجب،  لكن في حالة توفرت القدرة والظروف والامكانيات التي فعلا ستساعد وستؤدي الى الغلبة وبالتالي ازالة المنكر،  ومن غير توفر هذه الظروف وهذه الامكانات فانه سيكون عملا غير محمود ولن يؤدي الى ايت نتيجة ، بل سيحقق الدمار وسفك الدماء دون تحقيق أي غاية .  فهذه هي الاصول الخمسة عند المعتزلة والتي لا يمكن للمرء ان يكون معتزلا الا بالاعتقاد والتسليم بها .

           و نستطيع القول بان المعتزلة كانوا رواد المذهب العقلي وأساتذة الحرية الفكرية واول الفلاسفة في التاريخ الإسلامي،  من خلال سلسلة من المفكرين ابتدأت مع واصل ابن عطاء وعمرو بن عبيد ومرورا بالعديد من العلماء الاعلام من امثال العلاف وابراهيم النظام، والجاحظ ،والجبائي، والقاضي الهمداني وصولا الى الزمخشري وغيرهم من الكثيرين. و لم يكونوا المعتزلة اول فرقه عقلانية في تاريخ الإسلام ، فقد سبقهم على حد قول د. عواد بن عبدالله المعتق عدة مذاهب من مثل من عرفوا بالقدرية والجبرية ..الخ ،  و لكن من المؤكد هنا ان المعتزلة كانوا هم الابرز والاكثر شهرة وشمولية  وتطور على كل المستويات،  خاصة على المستوى الفكري ؛ فقد تمكنوا من انتاج أفكار فلسفية كاملة وشاملة ومتماسكة الأجزاء، احاطت بدوائر الوجود الثلاث ؛ وهي الله والعالم والانسان فشكلت بدلك تحولا حاسما في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، وكانت هذه المقدمات او هذه الرؤى هي اللبنة الاولى والاسس التمهيدية التي قام عليها لاحقا البناء الفلسفي والعلمي لهذه الحضارة.

واذا عرجنا نحو فلسفة العقل عند المعتزلة سنجد تشعبات كبيرة جدا ، فالعقل عندهم لديه منزلة تكاد تكون مقدسة نوعا ما، فقد اعتبروه بمثابة الرسول الباطني في داخل النفس الإنسانية ، ودلك لتعريفها وقيادتها نحو الحقائق الوجودية الكبرى او نحو الحقائق الدينية في مقابل الرسل الظاهرة التي بعثها الله للشعوب والأمم.  فالعقل كما يرى المعتزلة هو حجة على الانسان حتى مع عدم ارسال الله للرسل، وهذا برايهم مظهر من مظاهر عدل الله وحكمته. وقد  قالوا بان الله خص هذا العقل ومنحه القدرة على الفصل والتمييز بين ما هو خير وبين ما هو شر، حتى يكن للناس عونا في معرفة الله وآيات توحيده و شرائعه وحكمته. فمن لم يعش في عهد النبي وفي جو الدعوة،  فانه سيتمكن بعقله من اثبات ما اخبر القران عنه وما لم يراه بعينه. لذلك نرى ان عدد الآيات القرآنية كما يقول المعتزلة التي تحث على التفكير واعمال العقل وعلى التدبر والتأمل والنظر العقلي ، هي اكثر بكثير من الآيات التي تتحدث مثلا عن الاحكام او عن الشرع الى غير ذلك  . والسبب في هدا الامر هو ان العقل قادر لوحده على الوصول الى الاحكام والى معرفة الصالح من الطالح والحلال من الحرام والحسن من القبيح ، بشرط ان يُعْمل الانسان عقله ، اي ان يفكر وان لا يضع للعقل حدود وضوابط تؤثر على عمله وامكانياته و احكامه ، وهذا هو جوهر الآيات التي تحث الانسان على استخدام عقله وهي كثيرة جدا من مثل  "افلا تعقلون..  افلا تنظرون.. افلا تتدبرون... الذين يتفكرون في خلق السماوات والارض ... يا اولي الالباب....الخ.  من هنا ذهب المعتزلة الى تقديم العقل على النقل، بمعنى ان للعقل دور سابق على الشرع وبان ادلة العقل هي الاساس وهي الأصل،  وما ادلة النقل الا متممة او مثبتة لما هو موجود اساسا في العقول من معرفة بهذه الواجبات والاحكام .وبالتالي حصر المعتزلة دور الشريعة فقط في الجانب العملي، وفي تحديد كيفية ممارسة هذه الواجبات العقلية؛ كالتعريف مثلا بالصلاة وبالصوم وعدد الصلوات ومواقيتها، والزكاة...الخ. فكل هذه التفاصيل هي من مهمة الشريعة، فهي من تُفَصِل او تبين هذه الجزئيات . وبناء على هذه القاعدة الأساسية بتقديم العقل على النقل او بجعل الدليل العقلي له اسبقية على الدليل الشرعي، افضى بهم الى اعتماد العقل كأول الأدلة في فهم العقيدة وفهم النص الديني.  وهنا يؤكد د. عواد بن عبدالله المعتق بقوله انه  يجب الانتباه الى ان تقديم العقل على النقل هو امر لا يلغي النقل ولا يلغي القران ، بل التقديم مقصود به هو وجوب تأويل اظاهر النص بما يتفق مع مبادئ ومقتضيات العقل. وهذا الامر طبعا كان بمثابة انقلاب جدري بالمفاهيم على التيار السائد والمهيمن في ذلك الوقت وهو تيار اهل الحديث او التيار التقليدي الذي كان يقدس النص ويقول بأولويته على العقل ،هدا الأخير الدي ليس الا اداة لخدمة او فهم هذه النصوص التي لا تُمَسْ وتأخذ كما هي بمعناها الظاهري.

و بالنسبة للمنهج العقلي المعتزلي ان صح القول فهو قائم على عدة اركان أساسية؛ منها وبشكل رئيسي تفعيل المعتزلة لمفهوم النقد حيث نجد انهم  كانوا السباقين في مجال النقد الذي وسعو دائرته لتشمل اغلب المجالات الفكرية والدينية . فعلى سبيل المثال تعرض المعتزلة بالنقد للأخبار والاحاديث سندا ومتنا ، وكانت مرجعيتهم الاولى والأخيرة هي العقل ، بمعنى أي خبر واي حديث لا يتوافق مع العقل كانوا يرفضونه جملة وتفصيل.  لذلك عُرٍفَ عن المعتزلة انكارهم للكثير من الاحاديث وقد طالت سهام نبضهم مسائل كثيرة جدا مثل نقدهم في مسائل التوحيد خاصة من باب صفات الله والعدل ومسألة خلق القران والمعجزات ...الخ . بل الأكثر من دلك قام  المعتزلة  بتطبيق هذا النقد على انفسهم ، مما يفسر سبب الاختلافات الفكرية الكثيرة التي وجدت بكثرة بين علمائهم حول بعض القضايا غير الاصول الخمسة المتفق عليها من قبل الجميع.  اذا كانوا لا يسلمون باي فكرة او مسالة وان وردت عن كبار علماءهم دون النظر فيها وتعريضها للنقد .  ويشير د. عبد الله المعتق الى قول العلاف عندما اخبره اصحابه بان الناس تَقبَلُ عن كتبه وتتأثر بها ، رد عليهم بقوله "  اذهبوا الى هؤلاء النا س وقولوا لهم ان ينظروا (بمعنى ان يتفكروا ) وان لا يقلدون حتى في كتبي" ،  أي حتى لهذه الدرجة كانت مسالة النقد ذات اهمية كبرى عند المعتزلة.

            وبناء على هدا الحديث كله ، يمكن القول بان علم الكلام الاعتزالي بالتحديد هو الاساس الذي قامت عليه الفلسفة الإسلامية لاحقا ، ويكفي ان نعلم ان الكندي ، هدا الفيلسوف العربي الاول ، والواضع لأسس الفلسفة الإسلامية ، انه كان متكلم معتزلي . بل ليست فقط الفلسفة وحدها وانما العلم العربي وحتى العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية كان للمعتزلة الفضل الاكبر في الوصول اليه ، وفي اظهاره الى الوجود.  فاغلب من اسس العلوم كانوا اما معتزلة او متأثرين بالنزعة العقلية للاعتزال، فمؤسس علم النحو "سيبويه" هو معتزلي، و واضع علم الصرف " المازني "هو معتزلي،  والاديب والفيلسوف الكبير "الجاحظ" هو أيضا معتزلي، و الفارابي وابن سينا وغيرهم كانوا ايضا متأثرين بالفكري الاعتزالي و بطريقته في ادارة الفكر و التفكير. فالمعتزلة  بهذا المعنى قدموا الفكر والعلم للحضارة العربية الإسلامية الذي يباهي به المسلمون كل الامم  ، وهم الذين دافعوا عن الاسلام وعقائده  لمواجهة الاديان الاخرى بالعقل وبالمنطق وبالحجة والدليل والجدل .

وفي النهاية فالمعتزلة تركوا مخزون فكري هائل، وارث كبير كان رائدا وسباقا في استخدام العقل كأداة معرفيه كبرى، بل كان لهم الجرأة في خوض غمار اي مسالة دون الاكتراث لا للتقليد ولا للسائد ولا لهالة المقدس التي غلفت به الكثير من الأفكار. فكانت ثمرة كل هذه الجهود وهذا العمل هو رؤية عميقة استطاعوا من خلالها ان يوجدوا ترابط ما بين النص الديني و بين الخطاب الانساني العقلاني، مما افضى الى انتاج ما يسمى بعقلنة الدين وعقلنة النص الديني .وهذا الامر كان له انعكاس مهم جدا سواء كان على الدين كدين او على المتدين كانسان.



الوسوم:
هذا أحدث مقال.
رسالة أقدم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *