جاري تحميل ... لَوْذَعِيّ كلوب

إعلان الرئيسية

آخر المقالات

الفلسفة

الترجمة، رحلة في كتاب تاريخ الفلسفة العربية لـ د. جميل صليبا.


               الاتصال الثقافي الذي نجده ونحن في رحلة تاريخية في الفلسفة العربية،  تفسره ترجمة الكتب في الماضي. فلم تأخذ الفلسفة العربية من منبع واحد بل ينابيع متعددة، حيث لم تقتصر على العقل اليوناني بل شملت تراث ثقافي ضخم من عدة لغات؛ السريانية، و الفارسية، و العبرانية، و الهندية، والقبطية، والنبطية، واللاتينية اذن ستكون لنا مسيرة في محاولة إلمام ما لذ و طاب من تاريخ الترجمة العربية.

ما أدى الى تأسيس المدرسة الاسكندرية و مدرسة انطاكيا و انتقال الثقافة اليونانية الى الشرق، هي فتوحات الاسكندر، وهاتين المدرستين اللتين نقل منهما السريان ثقافة اليونان الى مدارس نصيبين، والرها، و حرّان، و جنديسابور مع العلم ان الاتصال بين الشرق والثقافة اليونانية لم يتم دفعة واحدة، بل تم على  مراحل  متعاقبة، ففي  هذه المدارس التي  كانت مركزا للفلسفة الافلاطونية الحديثة بدأ السريان بنقل الآثار اليونانية الى  اللغة السريانية قبل نقلها الى اللغة العربية. وحينما فتح العرب الروم و فارس اخذوا من الحضارة بحظ وافر. ولنقل الكتب الفلسفة من  اليونانية او السريانية الى العربية، استعانوا بعلماء مدرسة  حرّان، حيث استمر النقل لثلاثة قرون اوائل القرن الثاني حتى أواخر القرن الرابع للهجرة. فقد كانت حركة واسعة لنقل جميع العلوم العقلية وفروعها من عدة لغات.

اللحظة التاريخية التي بدأ فيها نقل الكتب اليونانية الى العربية كانت في اوائل القرن السابع للميلاد، وبلغت ذروتها في القرن التاسع، فالخطوة الاولى للترجمة في الاسلام كانت بفضل الامير الاموي خالد بن يزيد بن معاوية الملقب بحكيم آل مروان. وخير شهيد له هو ابن النديم في كتابه الفهرست وصفا انه كان مولعا بالعلوم، حيت نقل عدة كتب من اللسان اليوناني و القبطي الى اللسان العربية. ان الفترة من الزمن كانت الريح البدائية التي تراكم الترجمات  لتلحظ اوجها في الدولة العباسية.

بنفض الغبار على تاريخ الترجمة، نجد اشخاص دفنها التاريخ و بفضل المؤرخين خلدت اسماءهم و اسهاماتهم في الترجمة. كطلب ابا جعفر المنصور من ملك الروم ان يرسل اليه بكتب التعاليم مترجمة، وبعث له كتاب (اقليدس)  و بعض كتب الطبيعيات،  و ايضا قد نقل العرب فيهدا العهد كتب فلسفية من اللغة الفهلوي، وذلك ابن المقفع الذي اشتهر بترجمة كتاب ( كليلة و دمنة) نقل من الفارسية الى العربية بعض كتب ارسطو طاليس، منها كتاب ( قاطيغورياس)،  وكتاب ( باري ارمينياس). بالمقابل في عهد هارون الرشيد لم ينقل الى العربية الا القليل.

ما سلف ذكر كان السبل للوصول الى لحظة مهمة تاريخيا اثناء الحديث عن الترجمة، وهو العهد  الذي نشطت فيه حركة الترجمة نشاطا كبيرا ، وشملت العديد من المجالات ؛ الرياضيات ،المنطق، الالهيات، الاخلاق، لا شك انه عهد المأمون الذي وصف ابن خلدون في المقدمة – ص 893 من طبعة دار الكتاب اللبناني –بيروت – ان له ؛ " رغبة شديدة في العلم، فأوفد الرسل على ملوك الروم في استخرج علوم اليونان و انتساخها بالخط العربي،  و بعث المترجمين لذلك، و عكف عليها النظار من  اهل الاسلام،  فحذقو في فنونها، وانتهت الى غاية انظارهم فيها، و خالفوا فأوعى منه و استوعب،  كثيرا من آراء المعلم الأول،  واختصوه  بالرد و القبول  لوقوف الشهرة عنده،  و دوّنو ا في ذلك الدواوين،  اربو ا على من تقدمهم في هذه العلوم" .ما ادى الى بعث علوم اليونانيين في الاسلام،  حتى استهوت الكثير من الناس بما قلدوه من معانيها،  هو تأسيس المأمون " بيت الحكمة "  سنة 832 م ، و بفضها لم يعد  نقل الكتب عملا فرديا مبددا.

بعد الحديث عن "بيت الحكمة "، يستوجب علي  الاشارة لبعض مشاهير المترجمين ، من هؤلاء النقلة يحيى بن البطريق، الذي ولاه المأمون ترجمة الكتب الحكيمة،  الا انه حدّقه في حسن تأدية المعاني و لم يوفق للتعبير عنها بألفاظ عربية دقيقة،  ترجم كتاب ( طيماوس)  لأفلاطون، و كتاب ( السماء و العالم)و كتاب ( الحيوان). ومنهم  الحجاج بن مطر قد عاش في عهد المأمون، و فسره له بعض الكتب الفلسفية،  ونقل كتاب اقليدس الى العربية.  و منهم عبد المسيح بن ناعمة الحمصي الذي ترجم كتاب (سوفسطيقا)  لأرسطو،  كما ترجم شرح يحيي النحوي لكتاب السماع الطبيعي و كتاب الربوبية (اثولوجيا)  المنسوب خطأ الى ارسطو.  ومنهم يوحنا بن ماسوية وهو طبيب ماهر هاجر من جنديسابور الى بغداد،  طلب منه هارون الرشيد ترجمة بعض الكتب القديمة  فترجم له بعض الكتب الطبية.  ومنهم حنين بن اسحاق العبادي كان من ابرز العلماء الذين تولوا رئاسة بيت الحكمة،  ويجد عدة لغات الفارسية، اليونانية، السريانية،  العربية، و اهم ما نقله الى السريانية كان من كتب ارسطو؛ كتاب العبارة، و كتاب (انالوطيقا الثانية)، و كتاب الكون و الفساد، و كتاب النفس، و كتاب مقالات اللام من كتاب الحروف... و اهم ما نقله الى العربية كان من كتب افلاطون؛  كتاب السياسة،  كتاب النواميس،  و كتاب طيماوس،  و من كتب ارسطو : كتاب المقولات،  كتاب الاخلاق،  و جزء من سماع الطبيعي... جملة هذه الكتب التي  ذكرتها لأرسطو و افلاطون كانت من اهم و ابرز الكتب التي تم نقلها الى العربية. ونذكر منهم ايضا قسطا بن لوقا البعلبكي و اسحاق بن حنين و ابو بشر متى بن يونس القنّابي و ابو علي بن زرعة

لعل المحطة الاخيرة سأجيب فيها عن الباعث على النقل، فعديدة هي اسباب نقل الكتب القديمة الى اللغة العربية  اولها؛  احتكاك العرب بغيرهم من الامم وادراكهم ان لديها علوما يحسن الاستفادة منها،  و احتياج العرب الى هذه العلوم في تنظيم شؤون حياتهم كان دافعا هام،  الى جانب تعطش العرب الى المعرفة،  و ناهيك عن حاجة العرب الى الذود عن حياض الذين الدين بالحجج المنطقية.

ونحن على قرب من نهاية رحلتنا مع تاريخ الترجمة في الاسلام،  يتبادر الى اذهاننا سؤال هام، وهو لماذا العرب لم يترجموا الهيموروس و غيره من الشعراء و الفنون التي تعاطتها الحضارات الاخرى؟  حيث اقتصروا على كتب الطب، و المنطق، و الفلسفة، و الرياضيات، و الطبيعيات، و الفلك، و الاخلاق.

كمحاولة للإجابة عن هذا السؤال من طرف البعض الذين يقولون ان شعور العرب بالاكتفاء الذاتي في ميدان الادب صرفهم عن ترجمة كتب الشعر و الاساطير لعدم حاجتهم اليها،  وقيل ايضا ان سبب اعراضهم عن كتب الشعر اعتقادهم ان هذه الكتب لا تنفعهم في توكيد عقيدتهم،  ولا في الرد على المخالفين لديانتهم،  و يقال ايضا ان سبب ذلك اشتمال كتب الشعر و الاساطير على اراء وثنية مخالفة لعقيدة التوحيد. و تعددت الاقوال. 

قد احدثت الترجمات في العالم العربي انقلاب فكري خطير، ولولاها لما رأى شهد العالم العربي فلاسفة عقليين امثال الكندي، و الفارابي، و بن سنا،  و ابن رشد،  و لما استطاعت المعتزلة وغيرهم من علماء الكلام ان يعوّلوا على القياس العقلي في مناظراتهم...، وهذه اللحمة التاريخية تدعونا الى مواصلة الرحلة مع القرق الاسلامية  والفلاسفة المسلمين. 

الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *