جاري تحميل ... لَوْذَعِيّ كلوب

إعلان الرئيسية

آخر المقالات

الفلسفة

رقصة حب ميتافيزيقية

 



هناك شيء ما ساحر عند الوقوع في تجربة الحب، في اللقاء الأول تنفجر العواطف، وتشعر بشرارات تتطاير تشعل حالة العشق والشغف ونعيم له معنى غامر وساحر، فجأة تكتشف معنى جديد للحياة. لكن الحب الحقيقي هو أن نقبل الشريك كما هو حقا، ليس ما نريد أن يكون، ولا نتمنى أن  يتغير  ليصبح ما نريده، الحب الذي يمكن  أن ينشأ من هذا الفهم، هو حب عميق و حقيقي، الرغبة في أن تدعمي الطرف  الآخر، وينفرد بشخصيته بشكل مستقل و ذاتي. هذا الحب يعطي  لكل شريك حريته، لكن اذا كان هذا النوع من الفهم للحب حاضر، فكيف نمنحه صفحة الأبدية والخلود؟ اذا قمنا بتغدية و دعم السعادة  في داخلنا، ولعل فهم معاناة  الطرف الاخر هي أعظم هدية ممكن أن تقدمها  له، لذلك كثير من الأوقات عندما نقول :" أنا أحبك"، نركز على  فكرة  الأنا الذي يقدم الحب، وليس  على نوعية و جوّدة الحب الذي نقوم  بتقديمها، لأننا محاصرين بالذات و الأنا وهي كافية أن تفعل كل شيء، وهذا غير صحيح. العناصر التي جاءت منها الوردة ليس الورد ذاته، لو أزلنا العناصر الغير وردية  من الوردة  كالكرولوفير و الشمس و الماء،  فلن يكون لدينا ورد، نفس الشيء للبشر لا يمكن أن نوجد بمفردنا، اذا استطعت رؤية هذا التداخل في علاقتك بينك وبين من تحب، يمكن أن ترى معاناتها معاناتك، وسعادتك سعادتها،... تشعران بحالة يصفها أدونيس ؛ أنكما الواقع و المطلق الوجود وما وراءه، ولا يعود كل منكما الا تجليا للآخر.

الحب لا يوجد فيه قليل و كثير أو كبير وصغير. هو فقط الحب، فهو بحاجة إلى قلب كبير يعرف هذه الأشياء، ومعرفة القلب يجب أن تأتي من القلب نفسه: من شوقه واستجاباته العاطفية. اذا وضعنا حفنة ملح في كوب ماء سيصبح غير قابل لشرب، لكن ان صببنا الملح في نهر سيظل الناس  في يستهلكون الماء باستمرار، للطهي  والغسيل  والشراب، لأنه نهر  هائل وله القدرة  على  الاستقبال والاحتضان و التحويل، عندما تكون قلوبنا صغيرة فان فهمنا للرحمة و العطف والود ..تكون محدودة، عندما تتسع  قلوبنا لا نعاني بل يصير لنا قدرة كبير عن التفهم و تعاطف و يمكن تقبل الآخرين.

الحب في الفلسفة الصينية هو تركيز على جودة الحب من أربعة جوانب، اذا تعلمنا ممارستها سنعالج الغضب و الحزن و الكآبة و الوحدة، الجانب الأول من الحب الحقيقي يسمى : (المايتري mayteri) هو فن تنظيم السعادة لدى الشريك و النية الصادقة لإسعاد الطرف الآخر، المايتري يكمن في فهم نوايا الشريك و ما يحبه ، فإن كان قارئا مثلا ثم أهديته كتابا، فهذا قمة المايتري. الجانب الثاني يدعى (الكارونا carona) معنى النية و القدرة على تخفيف المعاناة لدى الشريك، فربما كلمة واحدة او فعل بسيط يمكن له ان يزيل كل مشاعر الاحباط و السلبية ؛ الكارونا هي ذلك الجانب السيكولوجي لدى الشريك في تفهم مشاعره و ايجاد حلول لحالاته .. العنصر الثالث هو (الموديتا modita) معناها الفرح: الحب الحقيقي دوما يجلب لنا الفرح؛ ان كان الفرح شيء لحظي فقط في حب ما؛ و ليس الصورة الثابتة عن هذا الحب فلا بد من مراجعته. العنصر الرابع هو (الأوبيشكا oppeshka) ويحيل على الإتزان : الأوبيشكا أشبه بتسلق جبل عال و رؤية الشريك بصورة واسعة بدون تحيزات، هي إلغاء كل الحواجز ، الاوبيشكا تعني الاحساس بالآخر و وضع ذواتنا في مكان الاخر لإدراك مكامن القصور الذاتي فينا، و محاولة التكامل فيما بيننا .

لعل الحديث عن الحب هو شيء مهم في زمننا-وقت الاحباط المعاصر- يجب استعادة حماسة القلب النقي و الإلهام، لتعلى في أذهاننا صور وأوصاف جديدة عن الحب والحبيبة كالذي دوّنها أدونيس :

خرج الورد من حوضه لملاقاتها

كانت الشمس عارية في الخريف

سوى  خيط غيم على خصرها

هكذا يولد الحب، في القرية التي  جئت منها.

يقول  الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغور :" أغرس أصبعي في الوجود لكن لا أشم رائحة شيء." من أنا ؟ و أين  أنا؟ كيف أتيت الى هنا ؟ ماهي  الحياة؟ من الذي جذبني الى هذا العالم؟ أعتقد أن كل  هذه  الأسئلة  الوجودية تصبح بدون قيمة ولا فائدة لها فقط عندما تقع في الحب، عندما تدخل مربع  الأبدية  مع من تحب، عندما تعيش داخل أغنية طوال الوقت، عندما تدخل  فضاء مقدس كون جديد يتم تشكيله من إثنين: هندسة لجنة أرضها  بيضاء لم تطأها قدم، وعند دخول سويْا الى نيرفانا، أو حالة بديلة  للوعي، حينما يصل المرء إلى هذا النوع من الحب أعتقد أنه من السذاجة أن تسأل سؤال وجودي، لأن هذا النوع من الحب هو  الجواب عن مشكلة الوجود الانساني، فهو حل ناضج لمشكلة الوجود يحمل القدرة على التغلب على مشكل العزلة والانفصال، فهذا  سمح لي أن أكون نفسي وأحتفظ بتكاملي، وفي قاموس اريك فروم : " في الحب يحدث الانفراق، اثنان يصبحان واحد ومع هذا يظلان اثنين"، لما نحكي عن الحب، نحن نتحدث عن  الجانب الداخلي و الفوري الذي يميل إلى الحضور في ومضة بسيطة وفريدة غير قابلة لتغيير، الحب القادر عن جذب كل عناصر الطبيعة الداخلية للأمام، إنه الحب الذي يستحق الألم و المعاناة من أجل إثبات نفسه، كيف يمكن أن نصل الى مرتفعات العظيمة بدون صخور و منحدرات، إن الألم والمعاناة  مرتبطين بالحقائق الداخلية للعلاقة مع ان عملية التشكل و الطرق و اللِحام الذي يتم  بموجبها الاتحاد يتم إنشاء كائن جديد، لما تقترب روحان عاريتان تتلامسان، كأن  كل واحد منهم يحرق الأخر، وهذه الكيماء الشديدة للعناصر النفسية تنتج شيء مثل اللّهب، مزيج جديد، تغيرات عميقة، تحرير  لقوى غريبة في داخلنا، وهذا ليس فرح على الاطلاق بل فيها أيضا معاناة مثل معاناة الولادة.

فالإيمان بالحب و إدراك معناه الحقيقي بالعقل هو الذي يرسم لنا السبيل الصحيح. الحب هو رَقص ميتافيزيقي يؤديه ذلك المخلوق المطلق النسبي الذي لا بدّ من أن يحيا دائماً معلّقاً بين الأرض والسماء ويخيّل إليّ أنّ الإله نفسه يتأمل -من علوّ سمائه- هذا الرَّقص الميتافيزيقي الذي يؤديه عباده المحبّون.


الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *