جاري تحميل ... لَوْذَعِيّ كلوب

إعلان الرئيسية

آخر المقالات

الفلسفة

محاولة تحديد ماهية الثقافة ودورها في حياة الفرد؟

 


"الموسيقى تعبر عما لا يمكن قوله ولا تستطيع السكوت عنه."

-فيكتور هوغو-

 

أصابعي كانت كفيلة بترجمة جوهر كينونتي، فإذا لامست قلمي ترجمة  فكري، وان لامست البيانو ابدعت في ترجمة مشاعري. الفن يجعل لفكري أرضية خصبة لزرع أفكار حديثة، فكل دخيل جديد لوعي البشر يتم رفضه لأن أرضيتهم حجرية، فالثقافة التي تبرمجوا في ظلها يستوعبونها كشيء مقدس في لبه حقيقة مطلقة. كما انه ليس من السهل القول على وجه التحديد ما هي الثقافة ؟ فكل باحث  يعرفها  من  زاوية ما، نفس  الشيء  قام  به  روبرت بيرسدت في  كتابه " النظام  الاجتماعي" : '' ...على  اي  حال، كي نتجنب قدر الامكان  الصعوبة التي  تتعلق  بالمصطلحات الفنية، وكي نحتفظ بمزايا البساطة  والشمولية، سنقوم بتعريف الكلمة على  النحو التالي، الثقافة هي ذلك المركب الكامل الذي يحتوي  على  كل  طرائف تفكيرنا  وأفعالنا و كل  شيء نحصل  عليه كأفراد في  مجتمع  ما.."

آلة البيانو العتيقة والموسيقى الكلاسيكية فهي شكل من أشكال الفنون، فهل يمكن اعتبارها ضمن الثقافة؟ فهذا يذكرني  بتعريف  لثقافة على  أنها مجمع  كل  الميمات  المنتشرة  والتي تنتقل من  فرد الى  آخر. و الميمات هي مصطلح نحته ريتشارد دوكنز، و ذكره اول  مرة  في  كتابه " الجين الأناني" عام  1976ليعني به :"...اسم يجسد  فكرة الوحدة القائمة على الانتقال  الثقافي، او  الوحدة القائمة على التقليد...'' وعرفه  بقوله " كيان قادر على الانتقال من دماغ الى آخر.." اذن  فكل  فكرة  هي  ميم، و كل  معلومة  هي ميم وكل لحن موسيقي هو  ميم،.. كل ما ابتدعه الدماغ البشري هو ميمات. كل ما تكتسبه كفرد، منذ لحظة ولادتك هي ميمات.

فهل المقطوعة الموسيقية هي ميم، أم كل علامة موسيقية داخلها ميم؟ نفس  الأسئلة  واجهها  دوكنز وفي  نفس  كتابه المذكور  يقول : "...ان كانت  جملة موسيقية واحدة من سمفونية  بيتهوفن التاسعة  متميزة وخالدة  في  الاذهان  على  نحو  كاف  يسمح بتجريدها من  سياق السمفونية كلها...يمكن القول عندئذ ان هذه الجملة الموسيقية تشكل ميما..."

اذا فالتفاصيل  في  حيواتنا  هي ميمات بدءا  من  الميم الذي  يحدد لك طريقة  التحية ، وذلك الذي يحدد لك طريقة الجلوس المناسب في كل  مقام، والاخر  الذي  يحدد لك طريقة  الاكل المناسب، الى ذلك الميم الذي يحدد لك ما هو الاله، والاخر الذي يحدد لك ما هو الوطن، وهكذا. مجموع  الميمات الموجودة في  دماغ  فرد ما تشكل  ثقافته، تماما ان  مجموع  الجينات  في  حمضه النووي تشكل جسده.

 صعب هو تحديد تعريف دقيق لمصطلح، فهي عديدة التعاريف  الذي صادفتها لدى الفلاسفة، حيث انه رافقني هذا المصطلح في مسرة بحثي عن الانتماء ، وتاريخ  ثقافتي، وتاريخ ثقافات أخرى، فبدأت بالاصطدام مع  مصطلحات فقدت معناها في زمننا الحالي، و ان قابلت احد المعاني وجدته أجوف، فواجهت حالة من الاستغراب، ليبدأ سبيل  التنقيب عن المعنى؟ هل " الحياة تفقد معناها في اللحظة التي نفقد فيها وهم كوننا خالدين؟ " كما قال سارتر، أ لهذا نرى الارتباط الديني للإنسانة في علاقته بمعتقده الخالد الذي سيتيح له امكانية الخلود رفقته، من الفراعنة الى يومنا هذا؟ فقد بدأ صراع الاديان و المعتقدات المختلفة على مر التاريخ المأساوي حتى يومنا هذا، اي السعي وراء الابدية و الخلود الذي تحول في نهاية الامر الى عنف من اجل بقائي و بقاء رموزي. وثقافتنا كانت تحاول عبر الزمن تكريس مجموعة من العادات و جمل  من الأفكار  تتماشى  مع فكرة الخلود والابدية. قبل معرفة مفهوم الثقافة الآني ، فضلت البحث عن العروق  المؤدية الى أول  من صك هذه المصطلح.

ولعلّ سلامة موسى هو أول من أدخل لفظة ثقافة بمعناها الأوروبي (كمقابل للفظة Culture) في لغتنا العربية، وهو يقول في ذلك: (كنت أول من أفشى لفظة الثقافة في الأدب العربي الحديث ولم أكن أنا الذي سكّها بنفسه فإني انتحلتها من ابن خلدون، إذ وجدته يستعملها في معنى شبيه بلفظة (كلتور) الشائعة في الأدب الأوروبي الثقافة هي المعارف والعلوم والآداب والفنون يتعلمها الناس ويتثقفون بها، وقد تحتويها الكتب ومع ذلك هي خاصة بالذهن)

إن المسار التطوري العربي للكلمة لا يعكس المسار الغربي للتطور كلمة  Culture، رايموند وليامز وهو دقيق في أصول  الكلمات ومساراتها  التطورية، قال  : " لا  ادري كم  مرة  تمنيت أن لا أصادف هذه الكلمة اللعينة "، وأكد أن  كلمة  " ثقافة " هي من ثلاث او ثنتي الكلمات الأكثر تعقيدا. فالكلمة  مأخوذة من كلمة لاتينية  Cultura، وهي تحوم حول  معاني متقاربة ؛ التهذيب،  العناية، التربية، النمو... ومنه مصطلح Agriculture، فالمزارع يهتم بنمو نبته وزرعه بشكل تدريجي، ظل الأمر  هكذا الى أن بدأت تستيقظ الكلمة  في عصر التنوير حاملة معنى يخص  الأفراد وليس  الجماعة، وهي تنمية  الانسان  من ناحية جمالية وناحية أدبية، وناحية مادية أيضا، حيث انها  لم  تكن  لفظ أحادي بل ثنائي دائما  تحمل  كلمة تانية  بجانبها، لكن  فولتير كان أول من ذكر كلمة ثقافة Culture وحدها بدون مرافقتها لكلمة  أخرى، وفي نهاية القرن الثامن  عشر و بداية  القرن التاسع  عشر غدت  الكلمة  تتحدد الى ما يتعلق بالمجموع عوض الفرد، اي  ذات شأن مجتمعي، ظلت  في هذا  السبيل الى أن جاء مؤسس لعلم الأنثروبولوجيا الثقافية ادوارد تايلور، في  كتابه  "الثقافة البدائية" 1871وعرفها : "تلك الوحدة الكلية المعقدة التي تشمل المعرفة والإيمان والفن والأخلاق والقانون والعادات، بالإضافة الي أي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بصفته عضواً في مجتمع". هناك تعريف يقول " الثقافة هي  ما يعكس  لروح  الدين  في  شعب ما "، وهذا  يعني أن العامل الرئيسي في الثقافة هو الدين.


الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *