جاري تحميل ... لَوْذَعِيّ كلوب

إعلان الرئيسية

آخر المقالات

الفلسفة

صفحات التاريخ تفيض بالعلوم " العصر الهلينستي"



كان  الاسكندر الكبير ملك مقدونيا، و أرسطو  ايضا   من  مقدونيا  ، بل  انه  كان  مرشدا  للإسكندر الفتى. وكان  الاسكندر  هو  الذي حقق الانتصار الحاسم على الفرس، و حقق شيئا  اخر  هاما: اذ ربط، بوساطة جيشه  الكبير، مصر و الشرق كله، حتى  الهند، بالحضارة الاغريقية.

انه  الدخول  في  عصر جديد من التاريخ الانساني، يولد فيه مجتمع دولي  جديد، تلعب  فيه اللغة و الثقافة  الاغريقيتان دورا  كبيرا  مهيمنا. هذه   المرحلة التي  دامت 300 سنة  هي  ما  أطلق عليه اسم " الهللينية "   ويغطي مصطلح الهللينية، المرحلة المذكورة، كما  يغطي الثقافة التي  غلب  عليها  الطابع  الاغريقي، والتي  تفتحت في الممالك الثلاث الكبرى: مقدونيا، مصر ، وسوريا.

ابتداء من العام 50 ق.م انتقلت  السيطرة  العسكرية  و  السياسية الى يد روما. حيث استطاعت  القوة   الجديدة  ان  تضم  المقاطعات  الههلينية  واحدة اثر أخرى،  وبدالك  دور  الثقافة  اللاتينية  في  التوغل  عميقا داخل  اسيا ،و  في  الامتداد غربا  حتى  اسبانيا. كان هذا   بداية العصر  الروماني، أو  ما  نسميه  العصور القدمية  المتأخرة لكن يجب أن نسجل. شيئا هاما: عندما نجح الرومان  في احتلال   العالم  الهلليني،  كانت  روما  قد  اصبحت  مقاطعة  من  المقاطعات  الثقافية الاغريقية  . مما  يفسر  استمرار  الثقافة  الاغريقية،  ومنها  الفلسفة  الاغريقية،  في  لعب  دور  هام،  رغم أن الاغريق  لم  يعودوا ، على  الصعيد السياسي، الا  مجرد ممثلين للملحمة.

العصر الهلنستي فترة في التاريخ القديم كانت فيها الثقافة اليونانية تذخر بالكثير من مظاهر الحضارة في ذلك الحين. وقد بدأت بعد وفاة الإسكندر الأكبر عام 323 ق.م، واستمرت حوالي 200 سنة في اليونان وحوالي 300 سنة في الشرق الأوسط. ويستخدم اصطلاح هلنستية لتمييز هذه الفترة عن الفترة الهلينية وهي فترة الإغريقيين القدماء التي اعتبرت أوج عبقرية وعظمة الفكر والعلوم والفلسفة الإغريقية في ظل الامبراطورية الأثينية.

وقد استحدث مصطلح هلنستية المؤرخ يوهان جوستاف دريزن في منتصف القرن التاسع عشر، صاغ المصطلح الهلنستي للإشارة إلى الفترة التي انتشرت فيها الثقافة اليونانية في العالم غير اليوناني بعد غزو الإسكندر في عمله الكلاسيكي "Geschichte des Hellenismus" (تاريخ الهلنستية. وخلال هذه الفترة، أصبحت الثقافة الإغريقية في أوج انتشارها في أوروبا وآسيا. وينظر لها بالعادة على أنها مرحلة انتقالية بين الهيلينية، بل مرحلة تراجع وتفسخ، في عبقرية الفكر الهيليني في أوج ازدهاره حتى ظهور الامبراطورية الرومانية. اذا ما العلوم الذي شهدها العصر الهيلينستي؟

شهد العصر الهيلينستي إنجازات عظيمة في مجال العلوم والرياضيات، مثال ذلك: تطوير الرياضي إقليدس لأساسيات الهندسة، واكتشاف المخترع أرشميدس لعددٍ من القوانين الأساسية في الفيزياء، وطرح الفلكي أريستاركوس، من بلدة ساموس، الفكرة القائلة بأن كل الكواكب، بما في ذلك الأرض، تدور حول الشمس، وأجرى الرياضي إراتوستينس حسابات، صحيحة تقريبًا، لمحيط الكرة الأرضية.

أقدم مخطوطة لكتاب إقليدس العناصر باللغة اليونانية (حوالي 100 قبل الميلاد)،   عثر عليها في منطقة البهنسا الأثرية، وهي من الجزء الثاني من الكتاب

على الرغم من شهرة كتاب أقليدس في مجال الهندسة الرياضية، فالكتاب أيضا يتحدث عن نظرية الأعداد، هي فرع من الرياضيات البحتة يهتم بخصائص الأعداد بشكل عام، و بالأعداد الصحيحة بشكل خاص. يدرس العاملون في نظرية الأعداد الأعداد الأولية وخصائص الكائنات المنبثقة عن الأعداد الصحيحة، الأعداد الجذرية مثلا، أو التعميمات للأعداد الصحيحة كما هو الحال بالنسبة للأعداد الصحيحة الجبرية. وهو يضع بعين الاعتبار العلاقة بين الأعداد المثالية وأعداد ميرسين، واللاتناهي في الأعداد الأولية، وسدة إقليدس في التحليل (والتي قادت إلى المبرهنة الأساسية في الحساب في تفرد التحليل للعوامل الأولية)، وكما أن فيه خوارزمية إقليدس لإيجاد القاسم المشترك الأكبر من رقمين.

النظام الهندسي الموصوف في كتاب العناصر عرف قديما باسم الهندسة، ولقد اعتبرت هي الهندسة الوحيدة الممكنة. أما اليوم، فهي تسمى باسم الهندسة الإقليدية لفصلها عن الفرع المسمى بالهندسة الا إقليدية التي اكتشفها علماء الرياضيات في القرن الـ.19

كتاب العناصر هو عمل هائل جمع المعلومات الهندسية الموجودة في زمانه بين ضفتي كتاب مع تقديم البراهين عليها. وحاول اقليدس ان يكون متجردا و موضوعيا فافرد في مقدمة كتابه المبادئ الاساسية التى تقوم عليها هندسته. واستطاع ان يحدد 33 نقطة هى حروف الهجاء التي تقوم عليها لغة الرياضيات كلها. فقد حدد اقليدس أول 23 تعريف definitions للمفاهيم الأساسية التى تتعامل معها هندسته. ثم قدم 5 بديهيات axioms و 5 مسلمات postulates.

ولا  نغفل  عن  قاعدة  أرخميدس، حيث شك ملك سيراكوس في أن الصائغ الذي صنع له التاج قد غشه، حيث أدخل في التاج نحاس بدلاً من الذهب الخالص، وطلب من أرخميدس أن يبحث له في هذا الموضوع بدون إتلاف التاج. وعندما كان يغتسل في حمامٍ عام، لاحظ أن منسوب الماء ارتفع عندما انغمس في الماء وأن للماء دفع على جسمه من أسفل إلى أعلى، فخرج في الشارع يجري ويصيح (أوريكا، أوريكا)؛ أي وجدتها وجدتها، لأنه تحقق من أن هذا الاكتشاف سيحل معضلة التاج. وقد تحقق أرخميدس من أن جسده أصبح أخف وزناً عندما نزل في الماء، وأن الانخفاض في وزنه يساوي وزن الماء المزاح الذي أزاحه، وتحقق أيضًا من أن حجم الماء المزاح يساوي حجم الجسم المغمور. وعندئذ تيقن من إمكانية أن يعرف مكونات التاج دون أن يتلفه؛ وذلك بغمره في الماء، فحجم الماء المزاح بغمر التاج فيه لا بد أن يساوي نفس حجم الماء المزاح بغمر وزن ذهب خالص مساوٍ لوزن التاج. وكانت النتيجة: أن الصائغ فقد رأسه بسبب هذه النظرية. ووضع أرخميدس قاعدته الشهيرة المسماة قاعدة أرخميدس والتي بني عليها قاعدة الطفو فيما بعد.

كما  ان أرخميدس حدد قيمة ط (باي) وهي نسبة محيط الدائرة إلى قطرها، أو بكلام آخر محيط الدائرة أطول كم مرة من قطرها، وهذه القيمة تستخدم في حساب مساحات الدوائر وما شابهها وأحجام الكرات والاسطوانات. وطريقته في حساب ذلك اعتمدت على رسم أشكال هندسية متساوية الأضلاع داخل وخارج الدائرة حتى حدد حدوداً لقيمة ط (باي).

وكان أرخميدس شديد الولع بصناعة الآلات ودراستها، وكان هدفه الأول من هذه الدراسة هو معرفة القوانين الميكانيكية التي تتحكم في عمل الآلات. وبدأ اهتمامه الأول بدراسة الرافعة الأولية، وكانت نتيجة الدراسة هي: معرفة قوانين الروافع وتسجيلها، وتعتبر نظرياته عن الروافع من أهم نظريات الفيزياء النظرية. وقد اهتم أيضا ببعض الآلات الأخرى المعروفة في عصره مثل البكرة ومناول ترسي. واخترع العجلات المسننة، والكرة المتحركة، واكتشف نظرية العتلة، حيث قيل أنه كان يعتقد بأنه يمكن أن يرفع الأرض لو وجد ما يركزها عليه. كما اخترع أحد الأجهزة التي تحاكي الحركات السماوية للشمس والقمر والكواكب

صورة فنية للوجه إراتوستينس

قام إراتوستينس بدحض نظرية الأرض المسطحة، وقد دفعه إلى ذلك قراءته في كتاب عن أن القضبان العمودية لمعبد في جنوب أسوان لا تلقي ظلالاً وذلك في ظهيرة يوم 21 يونيو ذلك أن ظلال المعبد تقصر شيئاً فشيئاً كلما اقترب الوقت من منتصف النهار إلى أن تختفي نهائياً عند منتصف النهار. ولكنه دفعه ذلك إلى القيام بتجربة لمعرفة فيما إذا كانت القضبان العمودية في الإسكندرية تلقي ظلالاً في الوقت والتاريخ ذاته (21 يونيو) واكتشف أنها تلقي ظلالاً خلافاً لما هو عليه الأمر في أسوان.

وقد قادته هذه التجربة إلى استنتاج كروية الأرض، فلو كانت الأرض مسطحة فإن أشعة الشمس سوف تجعل الأعمدة في أسوان والإسكندرية تلقي الظلال ذاتها وإن اختلاف الظلال لا يمكن تفسيره إلا بكون الأرض محدبة بحيث تصنع أشعة الشمس زاوية مختلفة مع الأعمدة الموجودة في أسوان عن تلك الموجودة في الإسكندرية. واستنتج إراتوستينس أن الزاوية بين أسوان والإسكندرية مقدارها 7 درجات على امتداد سطح الأرض (أي إذا رسمنا خطاً مستقيماً من الإسكندرية إلى مركز الأرض وآخر من أسوان إلى مركز الأرض فإن الزاوية بين الخطين مقدارها 7 درجات) وهي تشكل نحو جزء من خمسين من محيط الأرض المساوي 360 درجة. وقد عرف إيراتوستينس أن المسافة بين أسوان والإسكندرية مقدارها 800 كيلومتر لأنه وظف رجلاً كي يقيس هذه المسافة بالخطوات، وإذا ضربنا الرقم 800 بالرقم 50 نحصل على 40 ألف كيلومتر وهو محيط الكرة الأرضية، وعلى الرغم من أن إراتوستينس لم يمتلك سوى أدوات بسيطة فقد تمكن من خلال الملاحظة والتجربة من التوصل إلى قياس دقيق لمحيط الكرة الأرضية بخطأ لا يزيد إلا أجزاء قليلة بالمئة، حيث استطاع قياس هذا المحيط "بمقدار 252 استاديا، أي بقطر 7850 ميلاً، وهو ما لا يختلف عن قطرها الصحيح إلا بمقدار 50 ميلاً". مما يجعله إنجازاً ملحوظاً قبل ألفين ومئتي سنة.

وكان فلاسفة هذه الفترة مُهتمين بالوسائل التي تحقق السعادة للبشر. وكانت المدارس الفلسفية الهلنستية الرئيسية ثلاث هي: الرواقيون، الأبيقوريون، الكلبيون.

 

 

 ولد أبيقوروس في ساموس سنة  ٣٤١من أسرة أثينية، وكان أبوه معلما، وكانت أمه ساحرة تعزم في المنازل للتطبيب والتطهير، ولما بلغ الثامنة عشرة قصد إلى أثينا ولم تطل إقامته بها فرحل إلى آسيا الصغرى وعلم في بعض مدنها، ثم عاد إلى أثينا وافتتح مدرسة سنة  ٣٠٦فأقبل عليه التلاميذ رجالا ونساءً يتعلمون منه "حياة اللذة السهلة"، وكان أكثر اجتماعهم في الحديقة لا في حجرات البناء، يتجاذبون أطراف الحديث في الأخلاق،

فقيل لذلك: "حديقة أبيقوروس"، كان ضعيف البنية ولكنه كان قوي النفس شديد التجلد للمرض، وكان كثير الاعتداد بنفسه، يدعي أن مذهبه وليد فكره، ويأبى أن يعترف بفضل عليه لأحد ممن تقدمه وعاصره من الفلاسفة، فهجاهم جميعا، نخص بالذكر ديموقريطس وأرسطو، ثم رجلين كان قد استمع إلى دروسهما، أحدهما أفلاطوني والآخر ديموقريطي، ولكنه كان طيب القلب مع أصدقائه وتلاميذه بارا بهم، أوقف عليهم البناء والحديقة وأوصاهم أن يعيشوا جماعة مؤتلفة متحابة، وكانوا هم يحبونه ويجلونه أكبر إجلال، وانتشرت تعاليمه فتأسست مراكز أبيقورية في بعض مدن إيونية وفي مصر "ثم في إيطاليا الرومانية بعد وفاته". ومرض بالحصوة ومات بها سنة  ٢٧٠بعد أن احتمل آلامها بشجاعة نادرة كانت مثلا عاليًا لمريديه، ولفرط إعجابهم به في حياته ومماته اعتبروه إله جاء العالم بوحي جديد، وكانوا يكرمون ذكراه تكريما دينيٍّا.

كان أبيقوروس يشبه سقراط والسقراطيين في الرغبة عن كل علم لا يتصل بالأخلاق ولا يعود بفائدة من هذه الجهة، فكانت الأخلاق عنده محور الفلسفة وغايتها، يخدمها "العلم القانوني" — أي المنطق — والعلم الطبيعي، وكان تعريفه الفلسفة أنها "الحكمة العملية التي توفر السعادة بالأدلة والأفكار". وهي بهذا المعنى ميسورة لكل إنسان في كل سن، فكانت المدرسة مفتوحة لكل »طالب نجاة« ملم بالقراءة وكفى، وبهذا المعنى أيضا كان أبيقوروس يباهي بأنه بدأ يتفلسف في الرابعة عشرة ويقول: " ألا لا يبطئن الشاب في التفلسف، ولا يكلن الشيخ من التفلسف، فإن كل سن ملائمة للعناية بالنفس، وإن القول بأن ساعة التفلسف لم تحن بعد أو أنها فاتت معناه أن ساعة طلب السعادة لم تحن بعد أو أنها فاتت.

في هذا المذهب السعادة هي اللذة الجسمية من حيث إنه لا يعترف بغير المادة، وفي الواقع يقرر أبيقورس أن غاية الحياة اللذة، ولكنه لا يتابع أرستبوس بل يعالج فكرة اللذة بحذق ومنطق حتى يحيلها نوعا من السعادة الروحية ويستبقي الفضائل المعروفة ويستبعد الرذائل، مما يجعل لمذهبه الخلقي مكانًا خاصا بين المذاهب، يقول: تشهد التجربة أننا نطلب اللذة وأن الحيوان يطلبها مثلنا بدافع الطبيعة دون تفكير ولا تعليم، فالطبيعة هي التي تحكم بما يلائمها لا العقل الذي هو في الحقيقة عاجز عن تصور خير مجرد من كل عنصر حسي، وكيف يستطيع ذلك وجميع أفكارنا ترجع إلى إحساسات ومن ثَمة إلى لذات وآلام، وإذا نحن استبعدنا الحس من الإنسان فليس يبقى شيء. ومتى تقرر أن اللذة غاية لزم أن الوسيلة إليها فضيلة، وأن العقل والعلم والحكمة تقوم في تدبير الوسائل وتوجيهها إلى الغاية المنشودة، وهي الحياة اللذيذة السعيدة، فليس من الحق وصف اللذة بأنها جميلة أو قبيحة، شريفة أو خسيسة؛ فإن كل لذة خير وكل وسيلة إلى اللذة خير كذلك، بشرط أن تكون اللذة لذة وأن تكون الوسيلة مؤدية إلى لذة، ومعنى هذا الشرط أن للذة عواقب وقد لا تكون جميع عواقبها خيرًا؛ فإن الشره مثلا يورث المرض، فيجب تعديل اللذة بالألم واجتناب اللذة التي تجر ألما واعتبارها وسيلة سيئة للسعادة، وللألم عواقب كذلك وقد لا تكون جميعها شرا فيجب تعديل الألم باللذة وتقبل الألم الذي يجرلذة أعظم، وبهذا يستحيل مذهب اللذة إلى مذهب المنفعة، لقد كان أرستبوس يرد كل لذة إلى اللذة الحاضرة؛ مخافة أن يفوتنا المستقبل وأن ينقلب حسبان العواقب قيدا وعبودية، ولكن أليس في محاولة التحرر من المستقبل عبودية للحاضر؟ إن السعي لغاية بعينها طول الحياة يعود بحرية أوسع من حرية مجاراة الأهواء على ما يتفق، وإذن فما يجب طلبه هو أكبر مجموع ممكن من اللذات مدى الحياة.

الرواقية معاصرة للأبيقورية ومعارضة لها، وضع أصولها زينون وكملها تابعان من بعده، وثلاثتهم آسيويون، ولد زينون في كتيوم من أعمال قبرص سنة  ،٣٣٦وكان أبوه فيما يروى تاجرا قبرصيٍّا يختلف إلى أثينا للتجارة ويحمل منها كتب السقراطيين، فقرأها ابنه ورغب في الاتصال بأصحابها، قدم أثينا حوالي سنة  ٣١٢بعد أن اشتغل هو أيضا بالتجارة، فاستمع إلى ثاوفراسطس وإلى أقراطيس تلميذ ديوجانس الكلبي وإلى أستلبون الميغاري وإلى رجال الأكاديمية، ثم أنشأ مدرسة في رواق -"ستُوي" باليونانية - كان فيما سلف محل اجتماع الشعراء، فدعي وأصحابه بالرواقيين، وكان مستمعوه كثيرين معجبين بسمو أخلاقه، وتوفي سنة ٢٦.

إذا أردنا أن نجمل الرواقية القديمة في عبارة واحدة قلنا: إنها مذهب هرقليطس أفاد من تقدم الفكر في ثلاثة قرون، فهي تقول بالنار الحية وباللوغوس أو العقل منبثٍّا في العالم وتسميه الله وترتب عليه الغائية والضرورة المطلقة وتقيم الأخلاق على الواجب، فتعارض الأبيقورية التي تقول بالآلية والاتفاق والحرية وتقصي الآلهة خارج العوالم وتقيم الأخلاق على اللذة، ووجه إفادة الرواقية من تقدم الفكر أنها اشتغلت بالمنطق أكثر وأحسن مما اشتغل أبيقوروس وأتباعه واصطنعت آراء أفلاطونية وفصلت القول في الأخلاق، والفلسفة عندها "محبة الحكمة ومزاولتها" والحكمة "علم الأشياء الإلهية والإنسانية" تنقسم إلى ثلاثة أقسام: العلم الطبيعي والجدل — أي المنطق — والأخلاق، ولكن هذا التقسيم اعتباري فقط، فإن العلم الطبيعي يعلمنا وحدة الوجود، فالعقل الذي يعلم هذا ويربط المعلولات بالعلل في الطبيعة هو الذي يربط التالي بالمقدم في المنطق، وهو الذي يطابق بين أفعاله وبين قوانين الوجود في الأخلاق، وبعبارة أخرى المنطق صورة الطبيعة في العقل، والأخلاق خضوع العقل للطبيعة، بحيث إن الرجل الفاضل طبيعي وجدلي، وإن الطبيعي جدلي وفاضل بالضرورة، وبحيث إن الحكمة تشبه حقلا أرضه الخصبة العلم الطبيعي، وسياجه الجدل، وثماره الأخلاق.

لرواقيون ماديون، فكل معرفة هي عندهم معرفة حسية أو ترجع إلى الحس، والأصل في المعرفة أن الشيء يطبع صورته في الحس بفعل مباشر لا بواسطة "أشباه" كما يقول الأبيقوريون، والمعرفة التي من هذا القبيل "فكرة حقيقية" يقينية تمتاز بالقوة والدقة والوضوح، تحمل معها الشهادة بحقيقة موضوعها ويستحيل الخلط بينها وبين فكرة أخرى، والأفكار الحقيقية هي الدرجة الأولى من درجات المعرفة، يشبهها زينون باليد المبسوطة. والدرجة الثانية يشبهها باليد المقبوضة قبضا خفيفا ويعني بها التصديق الذي يقوم في النفس مجاوبة على التأثير الخارجي، وهذا التصديق متعلق بالإرادة ولو أنه يصدر عفوا كلما تصورت النفس فكرة حقيقية. والدرجة الثالثة الفهم يشبه اليد المقبوضة تمام ا. والدرجة الرابعة والأخيرة العلم يشبه اليد مقبوضة بقوة ومضغوطا عليها باليد الأخرى. والعلم تنظيم المعرفة الحسية أي جمع الإدراكات الجزئية وسلكها في مجموعة متسقة تصور وحدة الوجود فتكتسب بهذا الاتساق يقينً ا كاملا ثابتًا أقوى من اليقين الأولي المصاحب للإحساس المفرد، ولكن العلم لا يخرج عن دائرة المحسوس، وليست معانيه الكلية إلا آثار الإحساسات تحدث عفوا في كل إنسان دون قصد ولا تفكير، فهي غريزية فطرية بهذا المعنى، فالعلم إذن مجموع القضايا المتعلقة بالأشياء، وإذا اعتبرنا القضايا والحجج التي نركبها نحن بمناسبة الأشياء وصرفنا النظر عن الأشياء أنفسها كان لنا علم المنطق.

اما في  حديثنا  عن  أنتستانس والمدرسة الكلبية ولد أنتستانس في أثينا، وتتلمذ لغورغياس فنشأ على السفسطة، ثم عرف سقراط ولزمه، وبعد وفاة سقراط أخذ يعلم، وكان يجتمع بتلاميذه في مكان اسمه »الكل السريع،« فأطلق عليهم اسم الكلبيين، ولعل هذا الاسم لحقهم بالأكثر لسماجتهم وغرابة أطوارهم؛ فقد كان أنتستانس معجبًا بتواضع سقراط وبساطة معيشته وحرية قوله، فأسرف في محاكاته وأسرف تلاميذه، كانوا يشترطون للانضمام لزمرتهم أن يعدل المريد عن خيرات الدنيا، وأن ينزل عن مكانته الاجتماعية، فيلبس لباس عامة الشعب، ويرسل شعر الرأس واللحية؛ ولما تغير الزي الشعبي بتأثير المقدونيين احتفظوا هم بزيهم فكان دلالة عليهم، وكانوا يحملون العصا بأيديهم والجراب فوق ظهورهم ويطوفون في التماس قوتهم كالشحاذين المحترفين أو كرهبان الهنود، وليس لهم من مأوى غير المعابد والأمكنة العامة الأخرى، وكان فيهم كثير من الشذوذ، مثل أن يقف الواحد منهم عاريًا 251 تاريخ الفلسفة اليونانية تحت المطر في برد الشتاء أو يمكث في شمس الصيف المحرقة ليظهر قوة احتماله، وما إلى ذلك، كانوا يغشون المجالس، ويتطفلون على الموائد، فيجابهون الحضور بنقائصهم في قول جريء إلى حد البذاءة، لا يستحيون ولا يفرقون بين المقامات بل يدعون أنهم في كل ذلك يؤدون مهمة كلفهم بها الإله تزوس هي ملاحظة العيوب والتشهير بها، ويتخذون من اسمهم تشبيها فيقولون: إنهم حراس الفضيلة ينبحون على الرذيلة كما ينبح الكلب الحارس عند الخطر.

وأنتستانس إمامهم في آرائهم وسيرتهم، وإذا أخذنا بشهادة أفلاطون وأرسطو لم نضف إليه مقدرة فلسفية خاصة؛ فقد وصفه الأول »بالشيخ البليد العقل« ووصمه الثاني بأنه »رجل فظ أحمق،« تكلم في الماهية فأنكر أن تكون كلية وقال: »إني أرى فرسا ولا أرى الفرسية،« فالماهية عنده فردية غير متجزئة، يعبر عنها بلفظ مفرد لا بحد مركب من لفظين أو أكثر، وعلى ذلك يستحيل الحكم والجدل والخطأ: أما الحكم فلأنه يستحيل تصور شيء إلا بتصور هذا الشيء نفسه، ويستحيل التكلم عنه إلا بذكر اسمه، فإن الماهية إما أن تكون بسيطة فلا تحد بل تشبه بشيء آخر، وإما أن تكون مركبة فتذكر عناصرها، والعناصر لا تحد بل تشبه بغيرها، وفي كلا الحالين تعرف الماهية باسمها أو باسم ماهية تشبهها — وكان يقول بهذا المعنى: "بداية كل تعليم دراسة الأسماء"— فليست تضاف الماهيات بعضها إلى بعض ولكنها تبقى منفصلة لتباينها مثل مباينة "الإنسان" و"الطيب،" فكل ما يصح أن يقال هو: الإنسان إنسان والطيب طيب، وأما الجدل فمستحيل؛ لأن المتناظرين إما أن يتعقلا شيئًا واحدا فهما متفقان، وإما أن يتعقلا أشياء مختلفة فلا معنى للمناظرة، وأما استحالة الخطأ فلأن المفهوم من الخطأ أنه تصور ما ليس موجودا، ويستحيل أن نتصور غير الموجود. هذا الرأي في التصور والحكم يستتبع ازدراء العلم من حيث إن العلم مجموعة معان وأحكام، وكان أنتستانس يزدري العلوم بالفعل ويعتبرها غير مفيدة للسيرة، فقصر كلامه على الفضيلة وهي عنده الشيء الوحيد الضروري للحياة، وكان يحمل على اللذة وأتباعها ويقول: »إني أوثر أن أبتلى بالجنون على أن أشعر باللذة«. وبالطبع لم يستخدم في تعليم الفضيلة الأسلوب الاستدلالي الذي نقده بل كان يورد الأمثال ويذكر الأبطال ويصوغ الح َكم، فيبرز الفضيلة في صور حية ويحث عليها بإثارة المحاكاة لا بالبرهان، ويستدل مما وصل إلينا من عناوين كتبه أنها كانت كلها عبارة عن سرد الأمثال وتفصيل أفعال الأبطال وشرح هوميروس شرحا رمزيٍّا يستخرج منه المواعظ والعبر، فإنه كان يقول: إن الفضيلة في252صغار السقراطيين الأفعال والأفعال لا تعلم ولكنها تكتسب بالمران، فليست الكلبية إذن مذهبًا فلسفيٍّا وإنما هي سيرة وحياة.

 وقام بعده ديوجانس ٣٢٧– ٤١٣وهو يعد أحسن مثال للمدرسة بما أضافت إليه الأساطير من حكايات بعضها مشهور، وهذه الأساطير مؤلفة في الحقيقة من قطع غير متجانسة نتبين فيها شخصين متمايزين: أحدهما ملحد مستهتر، والآخر فاضل جليل، والأرجح أن ديوجانس كان هذا الشخص الثاني؛ استنادا إلى أن أوائل الكلبيين كانوا — ولا ريب — حريصين على زهد شيخهم أنتستانس، والأرجح كذلك أن الحكايات التي تمثله متهتكا إنما وضعت بعده بزمن طويل لما مال الكلبيون أو البعض منهم إلى مذهب اللذة وأخذوا به جهارا في غير كلفة لا استحياء. كان ديوجانس يحتقر العلوم كأستاذه، ويشبه فلسفته بالفنون الآلية، ويريد الناس على أن يروضوا أنفسهم على الفضيلة فيجيدوها كما يجيد الصانع الذي يزاول مهنته، فالرياضة سبب الفلاح ووسيلة الخلاص من رق الأهواء، ويعنى بالرياضة البدنية منها والنفسية، الواحدة متممة للأخرى وكل منها مرب للإرادة، وكان يحتقر العرف ويقول بالطبيعة الإنسانية يستوحيها الحكيم ويتبع قوانينها دون القوانين الوضعية والاصطلاح السائر، وكان ينظر إلى الفرد مستقلا عن الجماعة وماهية منفصلة، ويرى الفضيلة ممكنة له بهذا الاعتبار، على عكس أفلاطون وأرسطو اللذين كانا يجعلان المدينة شرط الفضيلة، وكان الكلبيون بالإجمال أقل أهل زمانهم شعور ا بالوطنية وحرصا عليها وأكثرهم ميلا للإنسانية، يستحبون الدول الكبرى كدولة الفرس ودولة الإسكندر دون الأوطان الضيقة أي المدن اليونانية وعصبياتها، وهذا اتجاه جديد سيسير فيه الرواقيون، وهو متلائم مع القول بالماهيات منفصلة ليس بينها علاقات توضع في أحكام، فماهية الإنسان لا تتضمن علاقة وطنية أو سياسية ولا ترجع إلى أية ماهية أخرى، فهي مطلق لا يحتمل الإضافة وهي الحقيقة وما عداها فهو عرف لا وزن له عند الحكيم، فيتبين من هذا أن المذهب الكلبي وحدة متماسكة الأجزاء.

وصفوة  القول إن الكلمة هلنستية هي فكرة حديثة استحدثت في القرن التاسع عشر، وهي لم تكن فكرة متداولة في اليونان القديمة. في منتصف القرن التاسع عشر قام ج. ج. درويسينيوهان جوستاف دريزن بصك مصطلح هلنستية للدلالة على الفترة التي انتشرت فيها الحضارة الإغريقية في العالم غير الإغريقي بعد فتوحات الإسكندر. وكانت أهم العقبات في انتشار المصطلح هذا هو صعوبته، إذ لم يكن انتشار الحضارة الإغريقية ظاهرة عامة كما أوحى له المصطلح. وفي بعض مناطق العالم كان تأثرها بالحضارة الإغريقية أكثر وخصوصاً على المقدونيين، أكثر من غيرهم. كما يوحي المصطلح أن السكان الإغريقيين كانوا هم الأكثرية في الأماكن التي استوطنوها، وفي حالات كثيرة، كانوا هم الأقليات بين السكان المحليين. ولم يختلط الإغريقيون بالسكان المحليين، فمع انتقال السكان الإغريق فقد ارتحلوا بثقافتهم إلا أن ذلك لا يعني دائماً أنها تفاعلت من البلاد المهاجر إليها.



 

الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *