جاري تحميل ... لَوْذَعِيّ كلوب

إعلان الرئيسية

آخر المقالات

الادب

حمزة سفو : يوما ما ! (قصة)




سأل طفل أباه سؤالا تسلل لأذهانه حينما سمع صديقا له يتحدث عن أحد المواضيع،حيث كان هذا السؤال متعلق بزمن عاش فيه أبوه،فقال الطفل بكل براءة،ووميض الرغبة في معرفة الجواب يظهر على عيناه البريئتان:"يا أبي سمعت صديقي أمين يتحدث عن غزو فيروس هدد العالم كله، وأدخل الرعب في نفوس ملايير البشر،وسمعته يقول بأن كل هذا حدث في زمن ليس بالبعيد جدا،فهل لك أن تتحدث لي عن كل ذلك يا أبتي؟"
فأجابه أبوه:"حسنا يا ولدي،لكن...أعدني بأنك لن تتأثر بما قد تسمعه!"
فرد الطفل بكل براءة وبنفس الوميض على مقلتاه،"أعدك يا أبي"
فبدت ملامح الأب سلمان تتغير شيئا فشيئا،نحو نوع من التحصر يلحقه نوع من الأمل والتأمل،فبدأ يحكي ويسرد لطفله الصغير المتشوق:"في أحد الأعوام ،وبالضبط في عام شهد كثيرا من الأحداث المتسلسلة،منها اللطيف المفيد،ومنها الغامض المخزي،وفي ظل صراع كان يعيشه العالم،وفي ظل ضجيج القوى العالمية،وأنين المعذب فوق الأرض،إستيقضت دولة الصين التي تقع في آسيا يا بني،على خبر مفجع،حيث شاع بين الجميع أن هناك فيروس قاتل فتاك يخترق الأجسام بدون طلب إذن،لا رحمة فيه ولا شفقة.
قد تسلل من مكان مجهول واتجه صوب أماكن معلومة،مشهورة كانت أو لا،كل هذا الصدى،وصل لآذان وأعين العالم بأسره،بدون إحساس بخوف أو ما إلى ذلك،فاكتفت الحواس بالمشاهدة والسمع فقط...
فمرت الأيام الكثيرة،والأشهر القليلة،فأخذ الفيروس غبيطه متجها نحو الأبواب المفتوحة منها والمغلقة،فانتشر بين البلدان والأمصار،على شاكلة جوازات سفر وتأشيرات...
أحيطت بلادنا بهذا الفيروس،فكنا نسمع أنين جاراتنا القريبة والبعيدة،فصرنا نصبح ونمسي على مستجدات أخبارها،-تلك خطوب الحياة وتلك عواقب الحياة،وتلك مخلفات الحياة،وتلك ربما نهاية الحياة،...-
هذا ما كانت تنطق به ألسنتنا،وللأسف كانت الأغلبية مستهثرة بكل هذا،وتلك الأغلبية نفسها كانت تعتقد أنه لنا مفر منه ونحن آمنين...،وذاك الإستهثار كان يتبعه نوع من الخوف،حيال طاقة بلادنا،وقوتها التي لن تكون قادرة عل التصدي لهذا الفيروس اللعين.
داخل أوساط هذا الكم الهائل من الأفكار المتضاربة والأحاسيس المختلطة،دخل الفيروس متسللا مفاجئا ماكرا،لهذه الأمصار التي كان الجميع يظن أنها آمنة،وأنها ستتخطى وتقفز فوق هذا الفيروس،محاولة الإبتعاد عنه كل البعد،لكن...
هيهات وألوف الهيهات.. !!
فكما كانت تصلنا أخبار العالم ومعاناته مع هذه الكآبة،وصلنا الفيروس الفتاك الموجع الضارب لعاطفة القلوب قبل حكمة العقول بأسهم الغدر والمكر،..
كانت في أول الأمر -حالة واحدة فقط- ثم توالت الحالات معلنة عن بداية ألم قبل أمل،وتآلف قبل تفاؤل،ومحنة قبل منحة. بدأت الآراب والحاجات تزيد في غزوها لأراضي المساكين المحتاجين،وبدأت المعانات تظهر على مبذل الفقير والمتشرد،فانتشر الفيروس الواغل انتشارا شبه شامل،فلا خير فيه ولا كل!!! 
فظن الكل ظن سوء،بأن بلادنا تزاور وتنحرف عن الطريق الصواب ازورارا وانحرافا،وأن قطاع الصحة عندنا ليس بالقوي الأيد،فكثر الحزن،والتنمر،والظن السمج القبيح السيء،فتساوى أخيرا الغني والعائل في درجة الحرص والخوف،لكن يا أسفاه...! 
لم يستويا في الصبر الطويل،فالفقير عان من تداعيات الجائحة المنتشرة،كما عان من التهالك والعوز،فكان الكل يسمع أنينه داخل صمته المرتفع،لكن قليلا من كان يجيب..
فساعد ذلك القليل الفقير،وعاون واستثنى في تعامله مع هذه الفئة التي تغطي جزءا ليس بالصغير من هذا الوطن الحبيب.
ليس هذا هو الأمر الجميل فقط في هذا الوطن،بل الأجمل الذي يذهب في مهل وريث صوب القلب والعقل،هو أن طبيبا عان من مرارة الشوق،وشرطي ودركي،وعامل نظافة (صديقنا البطل)،وكل مجند ساهم بالقليل أو الكثير،شربوا من كأس حنظل مر،لكنهم لم يستسلموا،فساعدوا،وساندوا،وكافحوا إلى آخر وهلة أتيحت لهم...
فسكت الأب سلمان للحظة فتنهد تنهيدة ثم استمر في قوله..
"الأمور الجميلة واليائسة لا تنتهي،ولن تنتهي يا بني،فالمعاناة والصبر داخل غرفة صغيرة يغزوها الصمت والسكون والهدوء،خير من قصر يغزوه الضجيج المهلك،لا صبر فيه ولا ريب،سوى الدمار والتهالك... 
لهذا يا ولدي،لبثنا في بيوتنا لأشهر ليست بالقليلة ولا بالكثيرة،بعد كثير من الشعارات والمنادات لذلك الفعل الذي يجعل صاحبه بطلا ومساهما ومتحديا أمام ذلك الفيروس المتطفل اللعين،لم نكن نعلم في أي يوم نحن فما كان يهمنا،..
فصمت الأب للمرة الثانية ويداه ترتجفان قليلا كثيرا،وولده ينظر وهو جالس على كرسيه الصغير،والبراءة تظهر في بريق عيناه،ودموع ضئيلة تريد أن تنزل،وفي الآن ذاته ظلت مترددة.. 
تنهد الأب حلفة ثانية فاستمر في سرد الحكاية المؤلمة..
"لم نكن نعلم يا بني في أي يوم نحن،فهمنا الوحيد كان هو أن نستيقظ يوما على خبر يثلج الصدور،ويفرح الصغار قبل الكبار،...
نعم يا ولدي جلسنا في بيوتنا،فالدراسة انقطعت في جهة،ولم تنقطع في جهة أخرى،يئس من يئس،وعان من عان،وتطور ما تطور،ودعا من دعا،وتغيرت الأرقام مع توالي الأيام،...
وفي لحظة يأس ضئيل يلحقه أمل كبير،وداخل هذا الليل المظلم الحالك،رأينا وميض الفجر يخرج مستأنيا متمهلا في قدومه...
تلك الأخبار اليومية عن أرقام الإصابات،وكذا الوفيات بدأت تتضاءل شيئا فشيئا،وأرقام المفارقين المودعين للفيروس اللعين،ترتفع بالشيء المرغوب فيه،فذلك ربما أتى بعد دعوة أخذت رحالها صوب السماء لرب الوجود،وربما بعد دمعة متكبد الأشواق وذارف الدموع والمعاني في صمت،سقطت في الأرض فأنبتت زهرة تفاؤل وأمل... 
ذات صباح إستيقظت على خبرين أحدهما محزن والآخر مفرح،فالأول كان موت جدك،والثاني عدم تسجيل أية حالة جديدة على مر أيام ليست بالقليلة،وهذا يدل على نهاية كآبة الفيروس ومخلفاتها،..
فلم أعلم حينها هل أفرح لاختفاء الفيروس عن سطح وطننا الحبيب،أم أحزن لموت أبي،حقا كنت في حيرة من أمري،فالحمد لله الذي استجاب لدعواتنا،قبل رمضان وخلاله وبعده،مرت أمام أعيننا لحظات جميلة ويائسة أيضا،لكننا لم نستسلم أبدا...
صبرنا،وأصحاب المهمة الصعبة شكرنا،ولله رفعنا أيادينا ودعينا،والفقير ساعدنا،والصديق ساندنا،والطفل التلميذ درسنا،بالرغم من أننا لألوان الحياة افتقرنا،وللأعزاء في القلوب اشتقنا،ومع الحبيب تفارقنا،لكننا لم نستسلم أبدا إلى آخر المطاف... 
وهكذا كانت حياتنا في زمن كورونا،وهكذا صبرنا،وعملنا مافي جهدنا للتصدي،والحمد لله يا بني كل شيء انتهى، ...-كل شيء...-
فبكت مقلتا الطفل البريء،مفتخرا بأبطال بصموا بحبر الوطنية على ورق الحياة وخطوبها...
ومع بكاء الطفل وقشعريرة جسمه نزلت دموع ضئيلة من عينا سلمان،واقشعر جسمه هو الآخر،فاستيقظ حينها،وعلم أنه كان داخل حلم فقط،...
فكورونا لازالت،والحجر الصحي لازال،ومعانات الفقير لازالت،وبراءة الطفل المحبوس في قفصه لازالت،..
لكن الشيء الذي زال...هو اليأس وظمأ العيش،.. 
فازداد التمسك بالآمال،والرغبة في التحدي كبرت أكثر،وشغف تحقيق الأحداث المفرحة في ذلك الحلم ازداد نموا،...
فبكى سلمان قائلا :
"لن نستسلم أبدا..وقريبا سننتصر بإذن الله ! "
الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *