جاري تحميل ... لَوْذَعِيّ كلوب

إعلان الرئيسية

آخر المقالات

الادبالفلسفة

محمد ايت: رحلتي من الشعر الى الفكر



فجأة لم يعد شعري كفيل بترجمة المشاعر التي تغزو كياني، فقد هبت الرياح أخذتا تلك الأيام التي دفنها تراب الماضي، ووهبني الحاضر سموا روحي، وغيوم المستقبل غدت سماء صافية، وأدركت أن تصحيح أخطاء الماضي  هي من أكبر أخطاء الحاضر.            

 مرت  فترة هامة  في حياتي فيها كنت مهتم  بالشعر وكان هناك نوع من  الارتباط الروحي  مع هذا النوع الأدبي  الراقي، ومع تعدد قراءات القصائد  والشعراء، اكتسبت مفردات و أسلوب فوق المتوسط ،لتكون لي  القدرة على ترجمة  مشاعري على أبيات  قصائدي، لحسن القدر كان  تخصصي في الثانوية هو الأدب، لذلك كنت مهتما بتحليل القصائد و دراستها بشكل أعمق. لكن الشعر العربي خدعنا، فهو توهنا  برومانسيته العالية في طرحه للقضايا، و كأن البيت الشعري سيقوم بطرح حل  لمشكلة فحياتنا، و مقصدي  أننا نحن من تصرفنا مع الشعر بطريقة خاطئة، لم  نفصله عن الواقع و نأخذه  كفن منفصل فقط للتعبير عن مشاعر فنية  وحسية، ولكن انتظرنا  من القصيدة، أنها تعالج مشاكلنا  بالانتظار، كـ أبوالعلاء المعري (973 -1057م) له قصيدة  في قمة  التشاؤم يقول : 

 

تعبٌ كلها الـــحــيــاة فمـــا أعــــجــبُ

.. إلا من راغــبٍ فـــــــــي ازديـــــــــادِ

 

إنَّ حزنـاً فـي ساعــة الـموت أضـــعــاف

.. سـرورٍ فـي ســـــاعــــة الـــمـــيــلادِ

 

خُلـق الــنـاسُ لـــلــبــقــاء فـــضـــلَّــت

أمةٌ يـــحـــســبــونــهــم لــــلــنـــفـــادِ

 

فهذه الابيات ستجعلك قعدا  في غرفتك معتكفا وبين  يديك كومة كآبة تجعل  منها  وسادة، ول لم  تتصرف  معها على  أنها أدب و فن كلامي فقط، هذ الا  ينقص من قيمة الشعر العربي بل هو القيمة التي  تميزنا، ولكن التعامل  معه و تصرفنا فيه كان يذيب  الواقع.             

 أنا لم  أكن يوما ضد الشعر العربي ولن أكون، لكن برأيي أنه يجب أن نضعه بمكانه الصحيح، لا يجب أن نتوقع منه حلول، ويجب أن نفرق بين الشاعر والمفكر، الشعر هو مجازي يمكن أن يورطك في مجازه، الفكر أو المفكر واقعي يمكن الاتفاق معه أو لا ، لكن لو لم تتفق ستظل، تبحث عن أجوبة أخرى و أفكار أخرى ، ولكن أن وقعت في مصيدة مجاز القصيدة، فأنت في ورطة لأن القصيدة سبيل جيد للجنون والمرض، ولكن الفكر هو علاج لما جاءت به كل القصائد، فالشعر هو الشعور بعد تكافؤنا مع الطبيعة، يعني هروب من وهم إلى وهم آخر، الفرار من شيء إلى نفس شيء على مستوى آخر، يمكن أن نقول إن الفكر هو فرار من الأكاذيب من خلال أفكار و مشاعر ممارسات جديدة، أما الشعر فهو الانتقال من عبث قديم إلا عبث جديد، التفكير يدفعك إلى الخروج من كلما هو عبث، لأن البلاغة اللفظية هي من أكبر الأخطار على الاتكاليين و الكسالى، والذي لا يعلم أن البلاغة تستطيع أن نتصنع حروب وجرائم و أوهام وبطولات زائفة، فنون الفصاحة والفن الكلامي تستطيع أن تصنع مجتمعات بائسة، تتقبل الحياة تحت كل ظروفها، وتجعل متكيف عصبيا و ذهنيا مع وجودك في أسوأ الحالات وأحسنها، الشعر وبلاغته استطاعوا أن يتحولوا إلى استفراغ نفسي، أدخلنا في كثير من الحالات في صراع مع حضارات في جميع المستويات، الشعر في أرقى مستوياته لا يستطع أن يصنع حضارة الفكر له القدرة على صنع حضارة فيها تصنع كل أنواع الشعر. التفكير في أرقى مستوياته هو أعلى أنواع الاحتجاج، وأسلوب الاحتجاج، أعلى وأعمق من التعبيرات الانفعالية، التي أتى بها الشعر، التفكير هو احتجاج المفكر على الطبيعة، والشعر هو استسلام الشاعر لطبيعة. القصيدة هي الهروب من المسؤوليات ومحاولة للتخلي على الالتزامات، وحالة من التوتر النفسي، أما الفكر فهو تمرّد تفكيرك على تفكيرك نفسه، فالشاعر هو من ينتفع بالحياة، والمفكر هو الذي تنتفع به الحياة، وما أعنيه هو أن هناك فرق بين الشاعر و المفكر . 

محمود درويش شاعر عظيم ولكن ليس مفكر عظيم، ولكن أدونيس شاعر رائع و مفكر عبقري ممكن تتفق معه أو لا، لكن قادر على قلب طاولة وزعزعت أفكارك في إي كتب من كتبه كــ: المحيط الأسود ، الثابت المتحول ، الصوفية وسريالية ،.. وإن لم تتفق معه في هذه الكتب الفكرية ستغفر له في أول قصيدة من قصائده، من جمال شعره، لكن محمود الدرويش كان ينقصه إدوارد سعيد كي يصبح أدونيس، السياب كان ينقصه علي الوردي ليصبح معروف الرصافي. فكانت رحلتي من الوجدان الى المنطق والعقلانية، كانت الأكسير لبعث الحياة بكينونتي، و الدواء لسقمي، فقد كانت  العاطفة لغز يغزو  فكري و وجداني، وقلم يبدع شعرا وحبره الأسود لا ينطق إلا بكآبتي، عجوز عشريني ظمآن الى  نور شمعته  ذات الضوء المعتم في ظلمته، اليوم قد تحول قلمي من مترجم لمشاعري الى مترجم لأفكاري، هكذا بدأت أخاطب الأنا بداخلي فالفكر لا بالعواطف التي  تبدع في اللوم وخلق "أنا" زائفة بداخلي.
الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إتصل بنا

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *